حبيب الله الهاشمي الخوئي
396
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ملوك فارس والرّوم وذلك حين قتلوا يحيى فقتلوا منهم مأئة ألف وثمانين ألفا وخرب بيت المقدس ، فلم يزل بعد ذلك خرابا حتّى بناه عمر بن الخطاب ، فلم يدخله بعد ذلك روميّ إلَّا خائفا . فقد ظهر بذلك تسلَّط الأكاسرة والقياصرة على بني إسماعيل وإسرائيل بسبب اختلاف كلماتهم وتشتّتهم وفسادهم في الأرض وأنّهم كانوا يشرّدونهم عن بلادهم وأوطانهم فيظهر به معنى قوله عليه السّلام : ( يحتازونهم ) أي يبعدونهم ( عن ريف الآفاق ) أي الأماكن المشتملة على المزارع والمراتع والمنتجع من بلاد الشام وأراضى العرب القريبة من الماء ( وبحر العراق ) وهو دجلة والفرات ( وخضرة الدّنيا إلى منابت الشيح ) وهى أرض العرب الخالي من الماء والكلاء ( ومها في الرّيح ) أي المواضع الَّتى تهفو فيها الرياح وتهبّ من الفيافي والصّحارى ( ونكد المعاش ) أي ضيقه وقلَّته ( فتركوهم عالة ) أي فقراء ( مساكين إخوان دبر ووبر ) أي معاشرين بجمال دبراء عجفاء عقراء ، وهو إشارة إلى سوء الحال وضيق المعاش ، فانّ استعمال الجمل الأدبر والتعيّش بوبره علامة الضّر والمسكنة . قال الشارح المعتزلي إنّهم أجدبوا حتّى أكلوا الدّم بالوبر وكانوا يسمّونه العلهز ، انتهى . وقد مضى في شرح الخطبة السّادسة والعشرين فصل واف في ضيق حال العرب وسوء معاشهم قبل بعثة النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . ( أذلّ الأمم دارا ) لعدم المعاقل والحصون المنيعة وإن كان لبعضهم حصن فلم يكن بحيث يحصن من عدوّ ذي عدد وقوّة ( وأجدبهم قرارا ) أي مستقرّا لخلوّه من الزّرع والثّمر والخصب ( لا ياؤون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ) أي لا يلتجئون ولا ينضّمون إلى من يحبّهم ويحضنهم إذا دعوه واستغاثوا به كما يحمى الطَّاير فرخه بجناحه ويحضنه . ووصف الدّعوة بوصف الاعتصام لأنّ من عادة العرب إذا هجم عليهم عدوّ لا يتمكَّنون من مقاومته يستغيثون بساير القبايل ويستنجدونهم ، فيعتصمون بالاستنجاد